فك الشفرة - مجله اثر
في ذاكره عالم الجيوبوليتيك المعقد، عندما تتشابك الخيوط و تتداخل المصالح وتتصارع الأيديولوجيات في ما بينها، حينها تبقى قصه اكثر غرابة قصه لا تُروى ومجله اثر سوف تتعمق في خباياها. تخيل معنا للحظة واحد فقط حين يكون الرجل الذي تطارده المخابرات الغربية وتضعه على قوائم الإرهاب الأكثر خطورة في العالم، يعيش داخل فنادق العاصمة الإيرانية طهران، تحت حمايتها او تحت حمايه الحرس الثوري ان صح القول، يتحرك بحرية نسبية في شوارعها الواسعة. تخيل فقط أن ما يعرف بتنظيم القاعدة، او الشبح الذي أرعب العالم بفتاوى تكفير الشيعة واستباحة دمائهم ذات يوم، بات اليوم يتلقى تعليماته من قلب أكبر نظام شيعي في المنطقة و العالم.ما تجده هنا ليست مجرد رواية عابرة من وحي خيال السياسة، بل هي الحقيقة الكاملة التي سوف نغوص فيها لنكشف عنها بوثائق سرية جدا وتقارير استخباراتية غربية، بل أصبحت تُعرف في أروقة صناع القرار بـ"متلازمة طهران". هذا قصة تحول دراماتيكي، بدأت فصولها الأولى داخل كهوف تورا بورا في أفغانستان تحت قصف التحالف الدولي، ثم استقرت في فلل طهران الفاخرة، كان هناك يجلس رجل كبير السن ستيني بي المعني الخرفي يمتلك عينين ثاقبتين وذكاء حاد لا مثيل له، كان يتمت بنفوذ عالي و يدرك أخطر شبكة جهادية في العالم، بينما يقدم له في الدولة المضيفة الشاي الفارسي وتؤمن له الحماية الكاملة.
سوف نتعمق اكثر لنعرف كيف تحول ألد الأعداء إلى حليف استراتيجي؟ وما هي الطرق الي أدت الي سقوط أسوار العقيدة أمام براغماتية المصالح؟ وهل كان هنالك ضابط المصري استطاع ان يتحول من شخص مطارد إلى "ضيف عزيز" في طهران، ثم اصبح زعيم فعلي للقاعدة بعد مقتل الظواهري؟
كل هذه التساؤلات سوف نحاول كشفها في هذا التحقيق المفصل، سوف نذهب في رحلة تمتد لأكثر من عقدين من الزمن، تبتدئ من جبال أفغانستان إلى بلاد الفرس في إيران، ثم نتحرك الي العراق وبعدها نختم الكلام ونذهب الي اليمن السعيد، ومن النظرية الجهادية إلى الممارسة السياسية التي قلبت المفاهيم رأساً على عقب.
لنبتدي الرحلة ونذهب الي التاريخ القديم لتعرف ما لا تعرف
الإطار الزمني للتحول.. من ملاذ آمن إلى مقر قيادة
عندما سقطت طالبان عام 2001، وتهاوت معاقل تنظيم القاعدة في أفغانستان تحت ضربات التحالف الدولي، بدأت رحلة جديده كان تمثل رحله البحث عن ملاذ امان جديد لقيادات الصف الأول في ذالك التنظيم. لم تتوفر لهم الكثير من الخيارات أمام الهاربين، و الدولة الجارة باكستان لم تكن وحدها قادرة على استيعاب جميع الهاربين. في هذه الاثناء وصلتهم يد إيران بذكاء براغماتي نادر .كل ما حدث بعد ذلك يشبه مشهداً سينمائياً معقداً. عندما فتحت طهران حدودها الشرقية أمام عدد كبير من قيادات القاعدة، ولاكن في ذألك الوقت لم تمنحهم الحرية الكاملة. بل وضعتهم تحت ما يمكن وصفه بـ"الإقامة الجبرية النشطة" في أحياء راقية ومجمعات سكنية مؤمنة جدا، مع توفير كل الخدمات الازمة من صحية وتعليمية وحتي رواتب شهرية. كان ثمن كل ذألك هو منع السفر، باستثناء حالات محدودة جدا إلى أفغانستان .
الغريب في كل ذألك أن هذه العلاقة بدأت قبل وقوع أحداث سبتمبر بسنوات. ففي عام 1995، أرسل أسامة بن لادن مبعوثه الخاص محفوظ بن الوليد إلى الخليج العربي، مروراً بالعراق ولكن صدام حسين قابله بي الرفض ورفض التعاون، ثم وصول إلى إيران حيث كان الحرس الثوري منفتحاً على الفكرة. وضع علي طاولة المفاوضات عرض متكامل لكلي الطرفين يشمل تدريب عسكري متقدم لعناصر القاعدة في معسكرات حزب الله بمنطقة البقاع اللبنانية، مقابل تنفيذ عمليات ضد المصالح الأمريكية في المنطقة .
سيف العدل.. الضابط المصري الذي يدير القاعدة من طهران
كان محمد صلاح الدين زيدان، أو كما يطلق عليه العالم سيف العدل، كان يمتلك شخصية مختلفة جدا لام تشبه شخصية أسامة ولا أيمن الظواهري في أي شي. كان رجل في الستين من العمر، يشغل رتبه عسكريه بارزه ضابط في الصاعقة المصري، درس من الأعمال التجارية قبل أن يجد طريقه إلى الفكر الجهادي في أحد مساجد شبين الكوم. بعدها انضم إلى الجماعة الإسلامية في مصر، وتم اعتقاله في قضية اغتيال وزير الداخلية عام 1987، ولاكن تم الأفراج عنه بعدها انتقل إلى أفغانستان حيث بدأت مسيرته الحقيقية في تنظيم القاعدةمع حلول منتصف التسعينيات، كان سيف العدل يدير اللجنة الأمنية في التنظيم، ويشرف بنفسة على حراسة اسامه الشخصية. ثم نسب اليه انه هو من قام بتدريب الجنود المتهمين بي هجمات 11 سبتمبر، وهو الرجل الذي خطط لتنفيذ تفجيرات السفارات الأمريكية في دولتي كينيا وتنزانيا ذألك التفجير الذي راح ضحيته 224 قتيل من صفوف المدنيين وجرحت الالاف. هو الرجل الذي كان يحمل في جعبته خبرة عسكرية عالية واستخباراتية كبيرة جدا و نادرة في نفس الوقت، لذألك تم وضع مكافأة كبيره لمن يدي بي معلومات عنه وصلت 10 ملايين دولار من وزارة العدل الأمريكية .
عندما مات الظواهري في شهر يوليو من سنه 2022 ارتفع منصبه بشكل واضح بل أصبح سيف العدل الزعيم الفعلي للقاعدة، ولاكن ذألك التنظيم لم يكون تنظيم رسمي. لأنه ببساطه شديده كان يعيش في فنادق طهران. ولاكن الإعلان له اثر مختلف لأنه يمثل وجود زعيم سني جهادي في قلب النظام الشيعي الإيراني سيكون بمثابة اعتراف بفضيحة أيديولوجية لا يمكن تبريرها.
لكن إيران لم تكن تكتفي باستضافة سيف العدل فحسب. بل وصل الامر الي ان تحدث تقارير استخباراتية بريطانية حديثة كشف أن طهران تستضيف "لجنة حطين"، وهي مجموعة قيادية عليا في القاعدة كانت مهمتها اداره العمليات الدولية للتنظيم. وواصلت اللجنة البرلمانية البريطانية للأمن والاستخبارات إن هذا الترتيب "مقلق" لأن إيران "بيئة أقل قابلية للوصول من قبل الغرب مقارنة بمناطق أخرى في الشرق الأوسط"، مما يعني زيادة التهديد الإرهابي .
قصة هروب وغموض.. كيف وصلت عائلة بلادن إلى إيران؟
في يوم 12 من شهر نوفمبر سنه 2001، قرر أسامة التوجه إلى مجمع كهوف تورا بورا. قبل الرحيل الي ايران، قبل ذألك طلب من زوجاته أن يثنين أبناءه عن الانضمام إلى الجهاد، قائلاً لزوجته الثالثة: "أرجوكِ، لا تشجعيهم على الانضمام إلى هذا الجهاد". بينما اختفى بعد ذألك في الكهوف، كل أفراد أسرته هربوا إلى باكستان، لكن واحداً فقط كان أبرز مساعديه، يدعي محفوظ بن الوليد، توجه إلى إيران فورا ..كل ما حدث بعد ذلك كان مثير للجدل. عندما إشارات وثائق اسامه التي رفع عنها السرية في وقت قريب من قبل وكالة المخابرات المركزية إلى أن حمزة بن لادن، نجل زعيم القاعدة، عاش حياته في إيران بل وتزوج هناك. كما كشفت بعض المفاوضات بين القاعدة والحرس الثوري عن مناقشات طويله كانت تدور حول تمويل وتسليح التنظيم لضرب أهداف أمريكية .
لكن القصة لم تكن وردية كما تبدو لي الجميع. حينما أراد حمزة ووالدته مغادرة إيران و التوجه الي قطر من اجل اكمال الدراسة هناك، أصر الحرس الثوري على توجيههم إلى باكستان بدلاً من ذلك. وبالفعل تم الامر، وصلت والدة حمزة إلى مجمع أبوت آباد في فبراير 2011، بينما ظل حمزة مختبئاً في المناطق القبلية الباكستانية. قبل أيام قليلة من مداهمة القوات الأمريكية الخاصة للمجمع وقتل بن لادن، كان حمزة يرسل رسالة مستمرة إلى والدته يسألها: "أمي العزيزة، اشرحي لي ماذا يمكنني أن آخذ... أنت تعرفين كم هي مهمة الكتب بالنسبة لي. هل يمكنني أخذها أم لا؟" كان ردها موجزاً: "الأفضل أن تسافر خفيفاً" .
العراق وسوريا.. مختبرات التقاطع الطائفي
قد يكون هنالك تعاون بين نظام ولاية الفقيه الشيعي وتنظيم القاعدة السني أمراً مستبعد وقد يكون مستحيلاً من الناحية الأيديولوجية. ولكن في الواقع وعلى الأرض كان يروي قصة مختلفة كليا. فبعد ما حدث في العراق بعد الغزو الأمريكي علي أراضيها كانت تنشطت القاعدة تحت رايات جديدة اختلفت قليلا ولاكن برزته بشكل واضح جدا في تنظيم الدولة. وتزامن ذلك مع انخراط إيراني وسوري بشكل مكثف في الشأن العراقي. كانت سوريا تمثل منصة عبور للمقاتلين، يستقبلون ويتدربون ثم بعد ذألك يوجهون لقتال الأمريكيين والشيعة .هذا لا شي الشي الغريب أن إيران كانت بيد تدعم واشنطن في وقت إسقاط نظام صدام حسين، وبيد أخرى كانت تمول عمليات المقاومة العراقية والقاعدة. هذا ليس تناقض فطهران كانت تتحرك على مسارات متعرجة نحو هدف واضح جدا يتمثل في إسقاط صدام و إخراج الأمريكيين يمثل جذب الشيعة نحو المشروع الإيراني، ولا ننساء الهيمنة على العراق. وكل هذا تم بواسطة آلاف المتطوعين الذين كانوا يعتقدون أنهم يجاهدون في سبيل الله، بينما الحقيقة عكس ذألك فهم يعملون لصالح أجندة إيرانية-سورية .
أما ما كان يحدث في سوريا، فالأمر أكثر تعقيداً. فقبل سنوات قليلة في ذألك الوقت، كانت كتائب جبهة النصرة، ذراع القاعدة في سوريا، كانت تقاتل النظام السوري. لكن تقارير استخباراتية حديثة تشير إلى أن قادة القاعدة المقيمين في إيران لعبوا دوراً في إعادة هيكلة الفصائل الجهادية في إدلب، ليس ذألك فحسب بل حاولوا التأثير على قرار أبي محمد الجولاني في فك ارتباط التنظيم بالقاعدة .
اليمن.. مسرح الصراع الخفي
الامر لم يختصر علي تلك الدول فقط بل كان الساحة اليمنية أكثر تجليات هذه العلاقة تعقيداً. و تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، كان يمثل يومهاً أخطر فروع التنظيم، ولأكنه بات يعمل في دوائر متداخلة مع الصراع الدائر هناك. اشارت تقارير أممية إلى ان هنالك صفقات تبادل أسرى سرية، ودعم لوجستي يشمل طائرات مسيرة عالية الطراز، وتوجيه عمليات القاعدة ضد قوات الشرعية والتحالف العربي، كل ذألك ادي الي تخفف الضغط العسكري عن الحوثيين.لكن من جه إيران كان الرد واحد في كل مره متمثل في نفي هذه الاتهامات بشدة. في رسالة رسمية إلى مجلس الأمن الدولي في مارس 2025، عندما وصف سفير إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني ان كل تقارير فريق الرصد بأنها "غير مهنية تماماً، ولا أساس لها، ومنفصلة عن الواقع". وشدد على أن إيران "كانت في طليعة الدول المحاربة للقاعدة والجماعات الإرهابية التكفيرية الأخرى في المنطقة" .
الغريب أن كل الرسالة الإيرانية استشهدت ببيان صادر عن تنظيم القاعدة في اليمن في ديسمبر 2024 يهدد الحوثيين صراحة بالانتقام، كدليل على عدم وجود تعاون بين الجانبين. لكن المحللين يرون أن هذا لا ينفي وجود تفاهمات تكتيكية على المستوى الميداني، حيث المصالح المشتركة في مواجهة أعداء مشتركين قد تخلق تحالفات مؤقتة .
"انتظروا الجزء الثاني من فك الشفرة.." "لم تنتهِ الرحلة بعد؛ فخلف أسوار الفلل المؤمنة في طهران، لا تزال هناك أسرار لم تُكشف عن 'سيف العدل'. كيف استطاع ضابط مصري مطارد أن يدير شبكة عالمية من قلب بلاد الفرس؟ وما هي طبيعة الصفقات السرية التي جرت تحت جنح الظلام لتغيير خريطة الشرق الأوسط؟
في حضرة المعنى.. اختر مسارك