ركلة جزاء ضد الكراهية
تخيل فقط أنك في ملعب يكتظ بالجماهير. الأضواء ساطعة من كل مكاك، واصوات الهتافات تملأ المكان، وأنت هناك تبحث عن السحر كرة القدم عن المتعة التي لا نمل منها. فجأة، يتوقف كل شي كل تلك الهتافات تتحول صراخ يغطي علي كل المتعه، ثم يتحول ذألك الصراخ إلى كلمات جارحة، تلك الكلمات لا تستهدف اللاعب بل تستهدف لون شكلة جنسيته . في تلك اللحظة يطلق الحكم صوت صارفته يتوقف كل شي وسط صدمه كل من في الملعب توقفت المبارة، ثم يتوقف معها الزمن. تسأل نفسك سؤال عادي
كيف يمكن للكراهية أن تخترق أجمل لعبة في العالم؟
هذا ليس سيناريو حدث في فيلم ما، بل هي مشاهد حقيقية تكررت كل يوم في كل الملاعب عبر السنوات. في إسبانيا، وإيطاليا، وإنجلترا، وحتى في المحافل الدولية الكبرى، يظل وحش العنصرية يرفع رأسه بين الحين والآخر.
لكي يبقي السؤال الأكبر: هل هذه مجرد حوادث عابرة تنتهي مع مرور الزمن، أم أنها مرآة قبيحه تعكس واقعًا مؤلمًا يمتد خارج أسوار المستطيل الاخضر؟
العنصرية ليست مشكلة كرة قدم فقط. بهل هي معركة إنسانية تخاض في كل ركن من أركان العالم. وفي هذا المقال،سوف نسافر معًا لاكتشاف كيف تواجه المستديرة السحرية هذا الوحش، وكيف يمكن لكل واحد منا أن يسجل هدفًا في مرماه دون ان يشعر.
ليلة ميستايا: حكاية فينيسيوس مع المدرجات
في ليله من ليالي الليغا الاسبانيه الساحره وتحديدا في 21 مايو 2023، في معقل ملعب ميستايا في فالنسيا كنا مع موعد مباراة كبيرة تحمل في طياتها الكثر من المفاجات. ريال مدريد ضد فالنسيا، كانت هتافات الجماهير المتحمسة تملي المكان، نزل كل النجوم على أرض الملعب. لكن ما حدث في تلك الليلة كان مختلفًا .
فينيسيوس جونيور صاحب الموهبه الطاقية، ذالك الشاب البرازيلي الذي أضاء الملاعب بضحكته العفويه ومراوغاته الساحرة، توقف فجأة دون ارادته. لم يتوقف لأنه أصيب، او لأن الحكم أطلق صافرته معلن نهايه المباراه. بل توقف لأن كلمات مؤلمة انطلقت من المدرجات، كانت كلمات ثقيله عليه لم لا تستهدف مهارته ولا أهدافه، بل استهدفت لون بشرته وعرفه فقط . هتافات تشبه صيحات القردة، وإيماءات مسيئة من بعض الجماهير مثلت اسواء ما في البشر .
ذالك الملعب الذي كان يعج بالحياة تحول فجاء إلى مسرح صامت. زملاؤه أحاطوا به، لكن الحكم أشهر له البطاقة الحمراء في الدقيقة 97 من عمر المباراه، قبل دقيقة واحدة فقط من نهاية المباراة التي انهزم فيها الريال بهدف مقابل لا شيء .
لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفًا. لم تمر الواقعة مرور الكرام. بل حدث ما لم يكن في الحسبان عندما تحركت اغلب الأندية والاتحادات والشرطة حتي حكومات دول. قامت الشرطة الإسبانية وقتها بي اعتقال ثلاثة من مشجعي فالنسيا، وفرض الاتحاد الإسباني غرامة بقيمة 45 ألف يورو على النادي، مع إغلاق جزئي لملعب المستايا .
وبعد عام كامل فقط، في 10 يونيو 2024، صدر حكم تاريخي سوف يخلد في جدار العداله الي الابد: تم ادانه الشبان الثلاثة بارتكاب جريمة ضد النزاهة الأخلاقية، وحُكم على كل منهم بالسجن لمدة ثمانية أشهر ومنعهم من دخول ملاعب كرة القدم لمدة سنتين. كانت هذه أول إدانة من نوعها لأفعال عنصرية في الملاعب الإسبانية تصدرها المحاكم الجنائية .
فينيسيوس لم يكن أول من يتعرض لهذا النوع من الهتاف، ولن يكون آخر. اذا اردنا ان نكتب مقال عن كل شخص لن نكتفي حتي بي مئات الصفحات ولكن الفرق أن فينيسيوس لم يصمت مثل غيره. بل حوله قضيته إلى قضية عالمية، حتى أن رئيس الفيفا بنفسه جياني إنفانتينو التقى به وأعلن له عن تشكيل فريق عمل لمكافحة العنصرية البغيضه، سوف يشارك فيها فينيسيوس بنفسه . هذا درس لنا جميعًا: في بعض الاحيان يكون أقوى رد هو أن ترفع رأسك وتواجه لا ان تتراجع بصمت.
.
بالوتيللي: حين يهاجمون عبقريتك لأنها سوداء
عندما نفتح صفحه عن العنصرية لا بد ان يكتب اسم ماريو بالوتيللي او سوبر ماريو كما يحب ان يقول البعض يحفر اسمه بخط عريض عليها... فمجرد ذكر اسمه يكفي لترسم ابتسامة عريضة على وجوه عشاق كرة القدم في كل مكان. ذلك المهاجم الإيطالي الغامض صاحب الموهبة العظيمة، الذي أبهر العالم كله بقدراته وأضحكهم العالم بتصرفاته الطفولية بكل عفويه.في 3 نوفمبر 2019، كان بالوتيللي في فيرونا مع فريقه بريشيا، يمارس عمله المحبوب. وفجأة كما يحدث في كل مره، تحولت المدرجات إلى خلية نحل من الهتافات البغيضة. جماهير فيرونا قلدت صيحات القردة، موجهين إهانات عنصرية ضده .
لكن كان ماريوا بالوتيللي اعتاد عليها. نعم، للأسف اعتاد علي تلك الأصوات. ليس الان فقط بل منذ أن كان صبيًا يافعًا في إيطاليا، كان يُعامل كل الناس بشكل مختلف. عندما كان يسجل هدف، كان "الطفل المعجزة". عندما يخطئ، يصبح "ذلك الأسود المشاغب". سألوه دائمًا: لماذا أنت تحب دائمًا المشكلة؟ لكن الحقيقة المرة أن المشكلة لم تكن فيه هو، بل كانت فيمن كانوا ينظرون إليه.
في تلك المباراة، هدد بالوتيللي بترك أرض الملعب، وتوقفت المباراة أربع دقائق . وبعدها، قرر نادي فيرونا الإيطالي منع أحد المشجعين البارزين، لوكا كاستيليني، من دخول الملاعب لمدة عشرة أعوام كاملة، بعدما أدلى بتصريحات عنصرية ضد اللاعب .
القصة الأجمل: بالوتيللي لم بعرف طريق الاستسلم أبدًا. بل استمر في اللعب، وفي الكفاح، وفي إلهام الملايين بصموده الجبار. وكان دائما صاحب رسالته كانت دائمًا واضحة
الموهبة لا لون لها.
ساكا وركلة الجزاء التي كشفت قناع الحب المشروط
في صيف 2021 نهائي اليورو كانت لحظه لا تنسي توقف العالم للحظة كانت إنجلترا على بعد خطوة قليلة من صعود سلم المجد. وقف الاعب بوكايو ساكا، الشاب الذهبي صاحب 19 ربيعا وقف أمام المرمى ليسدد ركلة جزاء قد تدخله التاريخ و تصنع تاريخ بلاده الحديث كان واثق جدا. سدد... وأخطأ. وخسرت إنجلترا اللقب .
كانت صدمه. كل الهتافات تحولت إلى وحوش رقمية. كانت هنالك آلاف التغريدات علي تويتر المسيئة، صور مشوهة ، ورسائل تكرهه ليس لأنه أخطأ الكل يخطي، بل بسبب لونه. في لحظة حزينة، انقلب الحب المشروط إلى كراهية مكشوفة. ليس هو فقط بل بعض زملائه مثل ماركوس راشفورد وجادون سانشو كان لهم لنفس المصير .
لكن ما حدث لم يجعل ساكا ينهار. بل خرج بعد أيام برسالة مؤثرة مبكيه
"عرفت على الفور نوع الكراهية الذي كنت على وشك تلقيه. لا أريد أن يتلقى أي طفل أو بالغ رسائل الكراهية والمؤذية التي تلقيتها أنا وماركوس وجادون هذا الأسبوع. لا يوجد مكان للعنصرية أو الكراهية من أي نوع في عالم كرة القدم أو في أي مجال من مجالات المجتمع فكلنا سواسيه" .
بعد هذه الرسالة تحركت الشرطة، وأدان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الإساءات، وقال الاتحاد الإنجليزي إنه "يشعر بالاشمئزاز لما حدث" .
واليوم ساكا ليس فقط نجمًا في أرسنال، بل اكبر من ذألك هو اليوم يمثل رمزًا للصمود في وجه الكراهية البغيضه. وقصة ملهمة تخبرنا أن النصر الحقيقي ليس في تسجيل الأهداف، بل في عدم الاستسلام للظلام.
لماذا يحدث هذا؟ رحلة سريعة في عقل الكراهية
في بعض الأحيان نسال انفسنا: كيف يمكن لإنسان ولد في القرن الحادي والعشرين أن يهين آخر بسبب لون بشرته فقط؟ الإجابة معقدة ليس سهله كما تظن، لكن دعنا نبسطها قليلا.
تخيل معي فقط أن الكراهية مثل لعبة الفيديو القديمة، تنتقل من جيل لآخر كانها وراثه مثل الأب يورثها للابن والابن لي الابن، والمدرسة تعززها أحيانًا يمكن دون قصد، وكذألك المجتمع يغذيها بنكات "بريئة" أو نظرات جانبية وكذألك في كرة القدم، برغم حضورها الجماهيري الهائل، الا انها أصبحت مسرحًا ضخم تظهر فيه هذه الأمراض الاجتماعية الخبيثة.
الخبر السار سيدي رفيق اثر يكون مثل أي لعبة، يمكن هزيمة الكراهية فيها. ولكنها تحتاج إلى فريق كامل: ليس مجرد لاعبين فقط بل لاعبين أبطال، جماهير واعية، وقوانين رادعة تكون مخيفه. وكل واحد منا يمكن أن يكون جزءًا من هذا الفريق بي اخلاقه
الأبطال الحقيقيون: من يحاربون في الخط الأمامي
لحسن الحظ، هناك الكثير من الأبطال الخارقين الان ليس مثل الذين يظهروا علي شاشات الأفلام مثل سوبر مان او باتمان بل نثل الذين لا يرضخون و لا يتراجعون. فينيسيوس مثلا حول ألمه وكوابيسه إلى قضية هذت العالم، وساهم في أول إدانة مباشره في تاريخية في إسبانيا .و كذالك سوبر ماريوا بالوتيللي يتحدث بصراحة عن معاناته ليكسر حاجز الصمت. ساكا يحول الألم إلى إبداع داخل الملعب.لكن الأبطال ليسوا فقط اللاعبين. علي ارضيه الملعب بل هناك جماهير ترفع لافتات مناهضة للعنصرية، وأطفال يكتبون رسائل دعم للاعبيهم المفضلين في شته بقاع الارض، ومدارس يدرس فيها القيم و الاحترام. في كل مرة تختار فيها أن تحترم الآخر، أنت بطل.
وحتى تلك المؤسسات التي لا تبالي اليوم بدأت تتحرك بجدية أكبر. الفيفا واليويفا يطبقان بروتوكولات أكثر صرامة من أي فتره، وبات بإمكان الحكم إيقاف المباراة في ثلاث مراحل متتاليه هي: التنبيه، ثم التعليق المؤقت، ثم الإيقاف النهائي مع خسارة الفريق المتسبب في العنصرية للمباراة .
ماذا يمكنك أن تفعل؟ دليل صغير لتكون جزءًا من الحل
فكر قليل لنفترض انك شخص واحد حدث لك موقف مشابه، ماذا يمكنني أن تفعل؟" وتذكر ان الحقيقة هي الأثر عندما يبدأ بخطوات صغيرة:
في المدرسة مثلا أو حتي في العمل: عندما تسمع نكتة عنصرية، واجهها بابتسامة وكلمة لطيفة. أحيانًا لا يدرك الناس أثر كلماتهم حتي تقع.
في الملعب أو أمام التلفاز: شجع اللاعبين جميعًا، بغض النظر عن ألوانهم. صفق للموهبة حيثما كانت.
اذا وجدت حدث على الإنترنت: إذا رأيت تعليقًا مسيئًا، لا تشاركه. يمكنك الإبلاغ عنه أو ببساطة نشر كلمة طيبة بدلًا منه.
ضع ذألك في قلبك و تذكر دائمًا أن ما يجمعنا كلاعبين وجماهير هو حب كرة القدم وليس الواننا او اشكالنا. وهذا الحب أكبر من أي كراهية تحدث.
الخاتمة: الموهبة وحدها هي التي تتحدث
يجب عليك دائما ان تتذكر ان تلك المباراة ستنتهي ، وتُطفأ الأضواء بعدها، وكل من علي ارض الملعب سوف يغادر. لكن ما يبقى هو الأثر اترك اثر جميل. كرة القدم علمتنا أن الفريق الذي يعمل معًا هو من يفوز. والعالم الذي يحترم الجميع هو العالم الذي نريد أن نعيش فيه بي اختلافنا.
تخيل معي فقط ملعبًا مثاليًا: ممتلئ بي الجماهير كلها تهتف للموهبة فقط، او أطفال يلعبون معًا بغض النظر عن ألوانهم، ولاعبون يتصافحون بعد المباراة بابتسامة صادقة. هذا الحلم ليس بعيدًا بل اقرب مما نتخيل. لي نبدأ بخطوة صغيرة اليوم، و صدقو اثر معًا نصنع عالمًا أجمل عالم يقبل ما نقدمه له لا كرهيه بل عالم مبني بي الحب فقط.
"في كرة القدم علمتنا كما في الحياة، الحكم الوحيد الحقيقي هو الضمير الإنساني الذي لا يغيب. فلنصفر جميعًا ضد الكراهية، ولنبدأ مباراة جديدة يسودها الحب والاحترام والوفاء والهتاف الجميل."