أثر استراتيجي 2026-01-09

أعادة صياغة النفوذ: التحالفات الكبرى في ميزان القوى العالمي

إعادة صياغة النفوذ: التحالفات الكبرى في ميزان القوى العالمي الجديد

مقدمة "أثر": في عتبة التحول

نحيا في اللحظات الهشة التي تفصل بين عالم يلفظ أنفاسه الأخيرة، وعالمٍ آخر يكافح من أجل الولادة. تلك العتبة الزمنية التي وصفها أنطونيو غرامشي بأنها "زمن الوحوش"، أصبحت واقعاً جيوسياسياً نعيش تفاصيله اليومية.

"إن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد؛ وفي هذه الفجوة تظهر مجموعة متنوعة من الأعراض المرضية." - أنطونيو غرامشي

فما إن بدا النظام الليبرالي العالمي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة وكأنه قدر تاريخي محتوم، حتى بدأت هزات عنيفة تهز أركانه، معلنةً عن مخاض عسير لنظام دولي جديد. لم يعد السؤال يدور حول ما إذا كان النظام العالمي سيتغير، بل حول كيفية إعادة توزيع النفوذ في خريطة تحالفات لم تعد تعترف باليقينيات القديمة.


من أحادية القطب إلى فوضى التعدد: مشهد التحول

انحسار النظام القديم

لم يكن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ونضج بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مجرد ترتيب سياسي، بل كان رؤية فلسفية للعالم. فمعظم التاريخ البشري شهد عالماً متعدد المراكز، تسوده أنظمة إقليمية أو أكوان متوازية، تتبادل السلع والأفكار ولكنها نادراً ما تتدخل في حسابات أمن بعضها البعض.

اليوم، يعود العالم إلى هذه الحالة الطبيعية من التعدد والفوضى النسبية. لم تعد توزيعات القوة تدعم نظاماً عالمياً واحداً، فالصين والولايات المتحدة مجتمعتين تمثلان أقل من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما كان حلف الناتو وحلف وارسو يسيطران على أكثر من 80% من هذا الناتج خلال الحرب الباردة.

استراتيجيات القوى العظمى: إعادة تعريف التحالفات

في هذا المشهد المتغير، تعيد القوى العظمى تعريف تحالفاتها ومصالحها. فالإدارة الأمريكية في عهد ترامب الثاني تتبنى بوضوح سياسة "أمريكا أولاً"، التي تركز على المصالح الوطنية كما تتصورها، مع إيلاء اهتمام أقل للتحالفات متعددة الأطراف.

"من أجل أن يصبح نوع جديد من التقدم في جميع أنحاء العالم حقيقة، يجب على الجميع أن يتغيروا. التسامح هو الألف والياء لنظام عالمي جديد." - ميخائيل غورباتشوف

هذه الكلمات تبدو اليوم وكأنها صدى من عالم مختلف. فالنظام العالمي اليوم لا يُبنى على التسامح بقدر ما يُعاد تشكيله على أسس براغماتية بحتة. التهديدات التي طالت دولاً في عام 2025 لم تكن مجرد تصريحات، بل جزء من رؤية تقوم على مبدأ "القوة مقابل المصالح".

محركات إعادة التشكيل: الذكاء الاصطناعي والمنافسة التكنولوجية

يبرز الذكاء الاصطناعي كمحرك أساسي لإعادة تشكيل ركائز النفوذ العالمي. السباق المحتدم لتطوير هذه التقنيات يتجاوز حدود الابتكار التقني الصرف، ليطال قضايا الأمن القومي، وأسواق العمل، والاستقرار السياسي. كما تبرز السياسات الفضائية كساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي خلال العقد المقبل.

بين الماضي والحاضر: لحظة شخصية

أتذكر جيداً ذلك اليوم من أوائل العقد الأول من القرن الحالي، حين قال لي أستاذي الجامعي بابتسامة متشككة: "التاريخ لا يسير في خط مستقيم، إنه دائري أكثر مما نتصور". اليوم، وأنا أشاهد التحالفات التي بدت أبدية وهي تتصدع، أستعيد تلك اللحظة بكثير من الوضوح.

تحالفات هشة ومستقبل غير مؤكد

الاختبارات المصيرية للتحالف الغربي

يواجه التحالف الغربي اليوم تحديات وجودية. إن النهج الجديد تجاه الحرب الأوكرانية يمثل سابقة تضرب فكرة الأمن القومي الأوروبي في الصميم، مما يجبر أوروبا على بناء استقلالها الدفاعي والاعتماد على نفسها مع تقلص المظلة الأمريكية التقليدية.

صعود القوى الإقليمية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

في الشرق الأوسط، تتسارع وتيرة التحولات. لم تعد الولايات المتحدة ترى المنطقة كساحة صراع أيديولوجي، بل كـ سوق استثمار. ومع ذلك، فإن هذه الرؤية البراغماتية لا تضمن الاستقرار، حيث تثير الانقسامات العالمية شكوكاً حيال المنظومة الأمنية الإقليمية برمتها.

خاتمة: أثر التحول.. ماذا سوف يحدث؟

إننا نعيش في فترة انتقالية بالغة التعقيد. السؤال المصيري الذي يفرض نفسه بقوة: هل نحن نتجه نحو نظام متعدد الأقطاب مستقر، أم أننا ندخل حقبة من الفوضى الإستراتيجية؟

ربما يكون في هذا التحول المتسارع، رغم كل مخاطره وأوجاعه، بذور نظام عالمي أكثر تنوعاً وتوازناً، يعترف بتعدد مراكز القوة ويخلق آليات جديدة لإدارة الصراع في عالم لم تعد فيه أي قوة قادرة على الهيمنة وحدها.

شارك الأثر